محمد متولي الشعراوي

9009

تفسير الشعراوي

لذلك يقول تعالى بعدها : { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } [ الكهف : 108 ] أي : لا يطلبون تحوُّلهم عنها إلى غيرها ، لأنه لا يُتصوَّر في النعيم أعلى من ذلك . ومعلوم أن الإنسان لديه طموحات ترفيهية ، فكلما نال خيراً تطلع إلى أعلى منه ، وكلما حاز متعةً ابتغى أكثر منها ، هذا في الدنيا أما في الآخرة فالأمر مختلف ، وإلا فكيف يطلب نعيماً أعلى من الجنة الذي قال الله عنه : { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً } [ البقرة : 25 ] . أي : كلما رزقهم الله ثمرةً أتتْهم أخرى فقالوا : لقد رُزِقْنا مثلهم من قبل ، وظنّوها كسابقتها ، لكنها ليست كسابقتها بل بطعم جديد مختلف ، وإن كانت نفس الثمرة ، ذلك لأن قدرة الأسباب محدودة ، أما قدرة المسبِّب فليست محدودة . والحق سبحانه وتعالى قادر على أن يُخرِج لك الفاكهة الواحدة على ألف لَوْن وألف طَعْم ؛ لأن كمالاته تعالى لا تتناهى في قدرتها ؛ لذلك يقول تعالى : { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً } [ البقرة : 25 ] فالثمر واحد متشابه ، أمَّا الطعم فمختلف . والإنسان مِنّا لِيشقَّ طريقه في الحياة يظل يتعلّم ، ليأخذ شهادة مثلاً أو يتعلم مهنة ، ويظل في تعب ومشقة ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً من عمره أملاً في أن يعيش باقي حياته المظنونة مرتاحاً هانئاً ، وَهْب أنك ستعيش باقي حياتك في راحة ، فكم سيكون الباقي منها ؟